القائمة الرئيسية

الصفحات

شركات المقاولات بالدول الإسلامية.. من الاستدامة إلى التنافسية

شركات المقاولات بالدول الإسلامية.. من الاستدامة إلى التنافسية


من الاستدامة إلى التنافسية: 
رؤية استراتيجية لشركات المقاولات بالدول الاسلامية

 بقلم دكتور مهندس/ مالك علي دنقلا

    تناولنا في المقال السابق أهمية البناء المستدام بالنسبة للدول النامية والإسلامية، وما يحمله من فرص وتحديات لقطاع التشييد والبناء، غير أن الانتقال من الحديث عن الاستدامة إلى تطبيقها يتطلب خطوة أكثر طموحًا، وهي وضع رؤية استراتيجية تساعد شركات المقاولات في الدول الأعضاء باتحاد المقاولين بالدول الإسلامية على الاستعداد للتحولات التي يشهدها قطاع الإنشاءات عالميًا وإقليميًا.

فالاتحاد، الذي يضم في إطاره شركات ومؤسسات مقاولات من نحو 32 دولة، يمثلون مساحة اقتصادية وجغرافية واسعة، تتنوع فيها مستويات التنمية والخبرات والموارد والإمكانات. وهذا التنوع، إذا أحسن استثماره، يمكن أن يتحول من تفاوت في القدرات إلى مصدر للقوة والتكامل.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من مفهوم التعاون بين شركات المقاولات إلى بناء منظومة متكاملة ورؤية واضحة للمقاولات والتنمية المستدامة بين الدول الأعضاء.

أولًا: الاستفادة من المنظمات الاقليمية الاسلامبة: 

توجد العديد من المنظمات والهيئات والمؤسسات الاقليمية التي تجمع الدول المسلمة وتستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مثل منظمة التعاون الإسلامي، والغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية، واتحاد المقاولين بالدول الاسلامية، وجامعة الدول العربية واتحاد المقاولين العرب، واتحاد المقاولين الافريقي، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية وغيرهم من المنظمات التي يمكن ان تمثل منصات مركزية لتنسيق الجهود والخبرات بين الدول الاسلامية في عمليات التحول الي البناء المستدام المرن ، وتشجيع شركات المقاولات الوطنية على تبني معايير البناء الأخضر، و تنظيم برامج تدريبية، والتحالف والشراكة بين المقاولين الوطنيين في تنفيذ المشاريع الاسلامية الكبري..

ثانيا: دور مؤسسات التمويل الاسلامية والعربية والافريقية:

  يعتبر توفير المصادر الكافية لتمويل مشروعات البناء المستدام من التحديات الكبيرة التي تواجه الدول الاسلامية والنامية حيث ان هذه المشروعات تتطلب في البداية استثمارات ضخمة تعجز عن تحملها الموارد الوطنية المحدودة لمعظم هذه الدول.

 وفي ظل مواجهة اشتراطات صعبة تفرضها الدول المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، بجانب تدخلها في طرق توزيع التمويل بصورة تنافي احترام سيادة الدول علي اراضيها، فتبرز هنا أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات التمويل الإسلامية والعربية والافريقية في توفير الدعم المالي والفني، والتمويل والضمانات في عملية التحول الي البناء المستدام بكفاءة ، خاصة وان العالم الاسلامي يمتلك منظومة كبيرة ومتنوعة من المؤسسات وصناديق التمويل، مثل مجموعة البنك الإسلامي للتنمية و صندوق التضامن الاسلامي، وبنك التنمية الافريقي وهناك الصناديق العربية مثل صندوق النقد العربي، والصندوق السعودي للتنمية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق أبوظبي للتنمية، والصندوق الكويتى للتنيمة الاقتصادية، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية بافريقيا.

كما إن دور مؤسسات التمويل العربية والأفريقية والإسلامية لا يجب أن يقتصر على تقديم القروض، بل عليها أن تكون شريكاً استراتيجياً في صياغة رؤية اسلامية شاملة للبناء المستدام ومن خلال التمويل طويل الأمد، وبناء القدرات، وتشجيع الشراكات، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء.

ثالثا: بناء خريطة لقدرات قطاع المقاولات:

لا يمكن صياغة استراتيجية مشتركة دون امتلاك صورة دقيقة عن قدرات القطاع، لذا يعد من المهم في هذا الإطار العمل على إنشاء قاعدة بيانات متكاملة لشركات المقاولات في الدول الأعضاء، تتضمن تخصصاتها، وتصنيفاتها، وخبراتها السابقة، وحجم المشروعات التي تستطيع تنفيذها، وانتشارها الجغرافي، وإمكاناتها الفنية والبشرية.

وينبغي ألا تكون هذه القاعدة مجرد دليل للشركات، بل منصة اقتصادية تساعد على معرفة أين توجد الخبرة، وأين توجد الفرصة، وكيف يمكن الجمع بينهما، فقد تمتلك إحدى الدول خبرة متقدمة في مشروعات الطرق والجسور، بينما تتميز دولة أخرى في مشروعات المياه، وثالثة في الطاقة، ورابعة في الإسكان، وخامسة في الصناعات الإنشائية. وربط هذه القدرات ببعضها يمكن أن يفتح المجال أمام تحالفات قوية تستطيع المنافسة على المشروعات الكبرى.

رابعا: إنشاء منصة للمشروعات والفرص الاستثمارية:

لاشك ان المعلومة المبكرة في قطاع المقاولات تمثل ميزة تنافسية، وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء يمكن أن يكون أحد أهم أدوار اتحاد المقاولين بالدول الاسلامية خلال المرحلة المقبلة، حيث ان من أكبر التحديات أمام شركات المقاولات، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، الوصول المبكر إلى المعلومات المتعلقة بالمشروعات والفرص المتاحة في الأسواق الخارجية، لذلك، يمكن للاتحاد أن يعمل على تطوير منصة رقمية موحدة للفرص والمشروعات في الدول الأعضاء، بحيث تتيح هذه المنصة معلومات عن المشروعات الحكومية والخاصة المتوقع طرحها، والمناقصات، وفرص الشراكة، والمشروعات الممولة من المؤسسات التنموية، إلى جانب التشريعات والمتطلبات الأساسية للعمل في كل سوق.

خامسا: تشجيع التحالفات بين شركات الدول الأعضاء

اصبحت المشروعات الكبرى أكثر تعقيدًا من الناحية الفنية والتمويلية، ولم تعد المنافسة فيها تعتمد فقط على حجم الشركة، وإنما على قدرتها على تكوين تحالفات تجمع التمويل والخبرة والتكنولوجيا والقدرة التنفيذية.

لذلك ينبغي تشجيع إنشاء تحالفات واتحادات مؤقتة بين شركات المقاولات في الدول الأعضاء، خصوصًا عند التقدم لمشروعات البنية التحتية الكبرى.

والهدف هو أن تصبح شركات الدول الإسلامية شريكًا رئيسيًا في تنفيذ مشروعات التنمية داخل أسواقها، وأن تستطيع كذلك المنافسة بصورة جماعية في الأسواق الدولية.

سادسا: تأسيس إطار موحد للبناء المستدام

يعد العمل تدريجيًا على تطوير إطار استرشادي للبناء المستدام يناسب الظروف الاقتصادية والمناخية والاجتماعية المختلفة للدول الأعضاء، من الاولويات الهامة.

ولا يعني ذلك إنشاء نظام جامد يطبق بالطريقة نفسها في جميع الدول، وإنما الاتفاق على مجموعة من المبادئ الأساسية تشمل كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وتقليل المخلفات، وزيادة الاعتماد على المواد المحلية، وخفض الانبعاثات، وتحسين دورة حياة المشروعات، وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر المناخية.

ويمكن أن يتطور هذا الإطار مستقبلًا إلى مؤشر أو تصنيف للاستدامة خاص بمشروعات وشركات المقاولات داخل دول الاتحاد، بما يشجع الشركات على تحسين أدائها ويمنح المشروعات المتميزة اعترافًا مهنيًا على المستوى الإقليمي.

سابعا: الاستثمار في العنصر البشري

التحول نحو البناء المستدام والرقمي لن يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، حيث نحتاج إلى مهندسين ومديري مشروعات وفنيين وعمال يمتلكون المهارات المطلوبة لسوق المقاولات الجديد.

ومن هنا يمكن إطلاق أكاديمية تدريبية مشتركة لقطاع المقاولات بالتعاون مع الجامعات ومراكز التدريب والاتحادات الوطنية في الدول الأعضاء.

ويمكن أن تشمل برامجها إدارة المشروعات، والاستدامة، وتقنيات البناء الحديثة، ونمذجة معلومات البناء BIM، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر والعقود، والسلامة المهنية، وتسوية المنازعات، كما يمكن إنشاء برامج لتبادل الخبراء والمهندسين بين الشركات والدول الأعضاء، بما يسمح بانتقال المعرفة وليس فقط انتقال العمالة.

سادسًا: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

قطاع المقاولات العالمي يتغير بسرعة نتيجة التطورات الرقمية.

وأصبحت تقنيات مثل نمذجة معلومات البناء، والتوأم الرقمي، والطائرات المسيّرة، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أدوات عملية لتحسين إدارة المشروعات وخفض التكاليف وتقليل التأخير والهدر.

لكن الفجوة الرقمية بين شركات المقاولات في دولنا ما زالت كبيرة.

ولذلك يمكن للاتحاد تبني برنامج للتحول الرقمي لشركات المقاولات، مع اهتمام خاص بالشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد لا تمتلك الموارد اللازمة للاستثمار بصورة منفردة في هذه التقنيات.

سابعًا: دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة

عند الحديث عن تطوير قطاع المقاولات يجب ألا تقتصر الاستراتيجية على الشركات الكبرى.

فالشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل جزءًا أساسيًا من سلسلة القيمة في صناعة التشييد، وتوفر أعدادًا كبيرة من فرص العمل.

ومن المهم مساعدتها في الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والتدريب والأسواق، وتشجيع الشركات الكبرى على دمجها في سلاسل التوريد والمشروعات التي تنفذها عبر الدول الأعضاء.

ويمكن دراسة إنشاء برنامج خاص تحت مظلة الاتحاد لتأهيل هذه الشركات للدخول في المشروعات الإقليمية والدولية.

ثامنًا: توطين صناعة مواد البناء

تمثل مواد البناء جزءًا كبيرًا من تكلفة المشروعات، كما أن الاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل قطاع المقاولات أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار وسلاسل الإمداد وأسعار الصرف.

ومن هنا يجب النظر إلى صناعة مواد البناء باعتبارها جزءًا من استراتيجية الأمن الاقتصادي والعمراني.

ويمكن تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في إنتاج وتبادل مواد البناء، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في الأسمنت منخفض الانبعاثات، والحديد والصلب الأكثر كفاءة، والمواد المعاد تدويرها، والعزل الحراري، وتقنيات البناء المسبق الصنع.

والهدف على المدى الطويل هو تطوير سلسلة توريد إنشائية مترابطة بين الدول الأعضاء.

تاسعًا: تطوير أدوات التمويل والضمان

لا توجد صناعة مقاولات قوية من دون منظومة تمويل قوية.

وتواجه شركات كثيرة تحديات تتعلق بتمويل المشروعات، وخطابات الضمان، وتأمين مخاطر العمل في الأسواق الخارجية، وتأخر المستحقات.

ومن هنا تأتي أهمية فتح حوار مؤسسي بين الاتحاد والبنوك ومؤسسات التمويل والتنمية والمؤسسات المالية الإسلامية، بهدف تطوير أدوات تمويل وضمان تتناسب مع طبيعة قطاع المقاولات.

كما ينبغي العمل على تشجيع التمويل الأخضر والصكوك وأدوات التمويل المستدام لتمويل مشروعات البنية التحتية والمباني المستدامة.

عاشرًا: إنشاء مركز للمعلومات والمخاطر

دخول سوق جديدة لا يعتمد فقط على معرفة المشروعات المتاحة، وإنما يتطلب فهم التشريعات والضرائب والعقود والمخاطر السياسية والاقتصادية وآليات تسوية المنازعات.

ومن المفيد دراسة إنشاء مرصد أو مركز معلومات لأسواق المقاولات داخل الاتحاد، يصدر تقارير دورية عن الدول الأعضاء والفرص والمخاطر والتغيرات التنظيمية.

مثل هذا المركز يمكن أن يساعد الشركات، خصوصًا المتوسطة والصغيرة، على اتخاذ قرارات توسع أكثر دقة.

حادي عشر: تفعيل دور المجتمعات المحلية

تعد مشاركة المجتمعات المحلية والسكان ركيزة أساسية في عمليات التحول الي البناء المستدام، حيث أثبتت التجارب العالمية أن غياب المجتمع المحلي عن دوائر اتخاذ القرار يؤدي غالباً إلى مشاريع تفتقر إلى الاستدامة على المدى الطويل، فمثل تلك المشروعات ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي مشروعات بيئية اجتماعية اقتصادية تتطلب مشاركة الناس باعتبارهم المستفيد الأول والشريك الفعلي، فعندما يشعر أفراد المجتمع بالمسؤولية يصبحون القوة الدافعة لضمان نجاح واستدامة المشاريع المستقبلية. 

 خارطة طريق مقترحة

ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يمكن تقسيم العمل إلى ثلاث مراحل.

المرحلة الأولى: التأسيس وربط المعلومات

تبدأ بحصر شركات المقاولات وتخصصاتها في الدول الأعضاء، وإنشاء قاعدة البيانات والمنصة الرقمية، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، وإطلاق برامج التدريب وتبادل الخبرات.

المرحلة الثانية: بناء الشراكات

تنتقل إلى تشجيع التحالفات بين الشركات، وإطلاق برامج مشتركة للاستدامة والتحول الرقمي، وبناء علاقات مؤسسية مع البنوك ومؤسسات التمويل والتنمية.

المرحلة الثالثة: التكامل والمنافسة الدولية

وهي المرحلة التي نطمح فيها إلى ظهور تحالفات قوية من شركات الدول الأعضاء قادرة ليس فقط على تنفيذ المشروعات داخل دول الاتحاد، وإنما على التوسع والمنافسة في الأسواق العالمية.

من اتحاد للمقاولين إلى منصة للتكامل الاقتصادي

إن الدور المستقبلي لاتحادات المقاولين لا ينبغي أن يقتصر على تمثيل الشركات أو مناقشة المشكلات التي تواجهها، بل يمكن أن يتطور إلى دور أكثر تأثيرًا يتمثل في صناعة الفرص وربط القدرات بالتمويل والمشروعات والأسواق، خاصة وان لدينا في دولنا شركات ذات خبرات كبيرة، وكفاءات هندسية متميزة، وأسواق ضخمة، واحتياجات هائلة للبنية التحتية، ومؤسسات مالية وتنموية قادرة على المشاركة في التمويل.

والتحدي الحقيقي هو كيفية جمع هذه العناصر داخل منظومة واحدة، لذلك فإن رؤيتنا للمرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مبدأ واضح وهو أن تتعاون شركاتنا قبل أن تتنافس، وأن تتكامل قدراتنا قبل أن نبحث عنها خارج أسواقنا.

فإذا استطعنا بناء شبكة فعالة تربط المقاول بالمشروع، والخبرة بالفرصة، والتمويل بالتنفيذ، والتكنولوجيا بالاحتياجات المحلية، فإننا لن نكون أمام مجرد تطوير لصناعة المقاولات، وإنما أمام مساهمة حقيقية لهذا القطاع في تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين دولنا.

ما الذي يجب ان نفعله

إن المستقبل أمام قطاع المقاولات في دول الاتحاد يحمل فرصًا كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب رؤية مشتركة وعملًا مؤسسيًا طويل الأجل، ومن هنا يجب أن يكون طموحنا للمرحلة المقبلة واضحًا: الانتقال من التعاون بين المقاولين إلى التكامل بين أسواق المقاولات في دولنا، ومن تنفيذ المشروعات إلى المشاركة في صناعة مستقبل التنمية


كما يتطلب النجاح في تعميم عملية التحول الي البناء المستدام بالدول الاسلامية شراكات متعددة الأطراف تجمع بين الحكومات، والشركات، والقطاع الخاص، وتمويل متعدد ، وحوكمة شفافة، والاستفادة من المنظمات الاقليمية الاسلامية ومؤسسات التمويل الاسلامية والعربية والافريقية وتوحيد الجهود الاسلامية، والارتقاء بالقدرات الفنية والمؤسسية، وتبني رؤية تنموية متكاملة تشرك المجتمع ، وإذا ما تضافرت هذه الجهود فإن الدول الاسلامية ستكون قادرة ليس فقط على التحول من البناء التقليدي الي المستدام، بل على بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً وعلى أسس من العدالة والمرونة والاستدامة.