القائمة الرئيسية

الصفحات

البناء المستدام في الدول النامية والإسلامية.. من عبء التكلفة إلى فرصة للنمو والاستثمار

  

البناء المستدام في الدول النامية والإسلامية.. من عبء التكلفة إلى فرصة للنمو والاستثمار

 البناء المستدام في الدول النامية والاسلامية..

  من تحديات الحاضر إلى فرص المستقبل

بقلم دكتور مهندس/ مالك علي دنقلا

    منذ بدء التاريخ كانت المطالبة بالحياة الأفضل للأجيال الحالية والقادمة هي من المفاهيم الأساسية التي يحاول المهتمون بمجال البناء والتشييد تطبيق تقنيتها واستراتيجيتها في أنظمة البناء المختلفة ولقد عرفت العمارة التقليدية منذ قرون، مفاهيم نطلق عليها اليوم “البناء المستدام” اي استخدام المواد المحلية، والاستفادة من التهوية والإضاءة الطبيعية، وتصميم المباني بما يتلاءم مع المناخ، وتقليل استهلاك الموارد. 

والتحدي اليوم هو دمج هذه الخبرات مع التكنولوجيا الحديثة ومتطلبات السلامة والجودة والكفاءة خاصة مع ازدياد الاحتباس الحراري و تأثيرها على طبقة الأوزون و التصحر بالإضافة الى بدء نفاذ المواد الأولية من معادن ووقود في العالم بجانب ازدياد عدد سكان في العالم وبالتالي ازدياد الطلب على استهلاك الطاقة والمياه

ومن هنا جاء تعريف مصطلح الاستدامة بأنها هي القدرة على تأمين احتياجات الحاضر دون التأثير على تامين احتياجات الأجيال القادمة، من خلال اتباع ممارسات مسؤولة وكافية بيئيا فيما يتعلق باستهلاك الموارد خلال عمر المبنى الذي يبدأ بالتصميم، ويستمر بعد الانتهاء من البناء والتشغيل وتتطلب استخدام الموارد الطبيعية بمعدل يمكن للطبيعة فيه أن تجدد الموارد المستهلكة، والتخفيف من التلوث البيئي الناجم عن النشاطات البشرية 

 كل هذه الأسباب دفعت معظم دول العالم إلى تبني فكرة البناء المستدام بدءا من سبعينات القرن الماضي بعد أن شعر العالم بتلك الهزة الإقتصادية والبيئية وتم الإلتفات إلى أن موارد العالم الطبيعية محدودة، ولذلك كان السعي الي البناء المستدام لزيادة دورة حياة المواد الخام الطبيعية والحد من استهلاكها وزيادة التوعية البيئية على مستوى الدول والحكومات حيث تعتمد التقنيات التي تستخدم في البناء المستدام على مواد نظيفة وصديقة للبيئة، مما يقلل من الأثر البيئي لمشاريع البناء ويحسن حياة الناس. 

و لا يقتصر هذا الامر على الدول المتقدمة، بل يتضح بصورة كبيرة في الدول النامية حيث النمو السكاني المتسارع بها، واتساع المدن، والحاجة المتزايدة إلى الإسكان والبنية التحتية والمرافق العامة، بالتزامن مع تحديات تغير المناخ وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد والتمويل، ما يجعل هذه الدول تمر بمرحلة مفصلية، لم يعد فيها الحديث عن البناء المستدام ترفًا هندسيًا أو توجهًا بيئيًا بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية تمس مستقبل صناعة المقاولات وقدرتها على تلبية احتياجات الأجيال القادمة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للدول الإسلامية، التي تضم عددًا كبيرًا من الاقتصادات النامية والأسواق الواعدة في قطاع الإنشاءات، مع احتياجات التنمية الهائلة في هذه الدول ، بدءًا من الإسكان والطرق والمطارات والموانئ، وصولًا إلى المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطاقة والمدن الجديدة. 

الاستدامة استثمار وليست تكلفة

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة نظر الاعتقاد بأن البناء المستدام يعني بالضرورة ارتفاع تكلفة المشروع ما جعل القضية الأكثر تعرضا للانتقاد حول بناء المباني الصديقة للبيئة هو الثمن خاصة وان لتقنيات الحديثة تميل إلى أن تكلفة المزيد من المال .

حقيقة أن بعض الحلول والتقنيات المستدامة قد تتطلب استثمارًا أوليًا أكبر، إلا أن تقييم المشروع يجب ألا يتوقف عند تكلفة الإنشاء، وإنما ينبغي أن يمتد إلى تكلفة دورة حياته كاملة، حيث وجد ان العائد عشرة أضعاف ما تنفقه على مدى حياة المبنى كاملة ، الإختلاف يكمن بين معرف التكلفة الأولية مقابل تكلفة دورة حياة المبنى حيث تأتي وفورات الأموال من استخدام أكثر فعالية للمرافق التي تؤدي إلى خفض فواتير الطاقة.

فالاستدامة في حقيقتها هي منظومة متكاملة، تساهم من خلال قدرتها على توفير استهلاك الطاقة الكهربائية وترشيد استهلاك المياه والحد من الطاقة المستخدمة للتبريد وتسخين المياه في زيادة العمر الافتراضي للمبنى وفي تحسين صحة الإنسان والحفاظ على النظام الإيكولوجي بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد وعلى الإنتاجية.

وبالتالي فالمبنى الذي يستهلك طاقة ومياه أقل، ويستخدم مواد أكثر كفاءة، ويتطلب صيانة أقل، ويتمتع بعمر تشغيلي أطول، يكون أقل تكلفة اقتصاديًا على المدى البعيد، فضلًا عن أثره الإيجابي في البيئة والمجتمع.

كما انه كثيرا ما يتم اعتماد المواد الأولية في البناء والحرص على استخدام ما هو موجود فعلًا في البيئة المحيطة والعودة الي استخدام المواد الطبيعية هو اهم ما يميز البناء المستدام ما يقلل من التكاليف الفعلية.

وهنا تظهر أهمية الانتقال في قطاع المقاولات بدولنا الاسلامية من مفهوم “أقل سعر للتنفيذ” إلى مفهوم “أفضل قيمة طوال عمر المشروع".

تجارب يمكن البناء عليها

أثبتت تجارب العديد من الدول النامية أن تحقيق تقدم ملموس في البناء المستدام أمر ممكن، فقد شهدت دول آسيوية وإفريقية توسعًا في المباني الموفرة للطاقة والمياه، واستخدام الطاقة المتجددة، وإعادة تدوير مخلفات البناء، والاستفادة من المواد المحلية، إلى جانب تطوير أنظمة ومعايير للمباني الخضراء.

وتشير هذه التجارب إلى حقيقة مهمة وهي انه ليست هناك وصفة واحدة للاستدامة تصلح لجميع الدول.

فما يناسب دولة ذات موارد مالية وتقنية كبيرة قد لا يناسب دولة تواجه نقصًا في التمويل أو المهارات أو سلاسل الإمداد، لذا يعد النموذج الأكثر نجاحًا بالنسبة للدول النامية هو النموذج الذي يجمع بين المعايير الحديثة والخبرة المحلية.

تحديات لا يمكن تجاهلها

في المقابل، فإن تعميم ممارسات البناء المستدام ما زال يواجه العديد من التحديات في الدول النامية، والتي تقف في طريق تطبيق تقنيات البناء المستدام، وهي كما يلي:

ارتفاع التكلفة الاولية لبعض التقنيات: حيث أن ممارسات البناء المستدام غالباً ما تتطلب في المدي القريب تكلفة أعلى من الممارسات التقليدية، رغم انها كما ذكرنا سابقا توفر المال على المدى الطويل وتقلل من كمية الطاقة المستخدمة، بالإضافة إلى تقليل كمية المياه اللازمة لتشغيل وصيانة المبنى.

أكواد البناء: لا تزال الشركات الهندسية والمصممون بحاجة إلى أكواد البناء الحديثة لتعزيز الاستدامة في المباني، حيث أن الكودات المستخدمة غالباً ما تكون قديمة ولا تساهم بشكل فعال في تطوير الممارسات لهذا النوع من البناء.

قلة الخبرة ونقص الكفاءات المتخصصة: هي إحدى العقبات الرئيسية في الدول النامية، حيث أن العديد من شركات المقاولات ليس لديها المعرفة الكاملة بالممارسات المستدامة التي يجب اتباعها خلال مراحل البناء والتشييد للمباني، وهذا يجعل من الصعب العثور على مقاولين جاهزين لأساليب البناء الجديدة.

الديون والضغوط المالية: تعاني العديد من الدول الاسلامية والنامية من ديون مرتفعة، مما يقيد قدرة الحكومات على تمويل مشاريع البناء المستدام طويلة الأمد.

تحديات التمويل: تاتي صعوبة الحصول علي تمويلات لمشاريع البناء المستدام في مقدمة التحديات، كما أن الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي يضعف من قدرة الحكومات على صياغة سياسات مستقلة، إذ تُفرض عليها أجندات المانحين وشروطهم، وهذا يؤدي إلى فجوة بين ما يحتاجه السكان فعلياً وما يُنفَّذ على أرض الواقع.

عدم توافر بعض مواد البناء المستدامة محليًا: تعاني بعض الدول من شح في مواد البناء المستدامة وصعوبة إيجاد بدائل محلية ملائمة.

ضعف الحوكمة: تفتقر بعض الدول العربية إلى هياكل حوكمة فعالة لمتابعة مشاريع البناء المستدام مما يؤدي إلى ضعف الرقابة على التنفيذ وتوزيع الموارد.

 قصور التشريعات: تمثل التشريعات والمعايير وتطبيقها تحديًا رئيسيًا. فوجود كود للبناء الأخضر وحده لا يكفي؛ بل يجب أن تصاحبه آليات واضحة للتطبيق، وحوافز اقتصادية، وبرامج تدريب وتأهيل للمقاولين والمهندسين والعاملين في القطاع.

الضغط السكاني: ضغط الزيادات السكانية في البلدان النامية تعمل على إعاقة التنمية المستدامة، وتزيد من العشوائيات .

عدم الاستقرار السياسي: النزاعات المستمرة وعدم الاستقرار السياسي يقللان من قدرة الحكومات على التخطيط بعيد المدى، ويزيدان من المخاطر على الاستثمارات.

والأهم أن متطلبات الاستدامة يجب ألا تتحول إلى عبء إضافي على المقاولين، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة. فالتحول الحقيقي يتطلب شراكة بين الحكومات والمقاولين والمؤسسات المالية والمطورين والجامعات ومراكز البحث والتدريب.

فرص مستقبلية أمام قطاع المقاولات في الدول الإسلامية

يمكن النظر إلى التحول نحو البناء المستدام بالنسبة لقطاع المقاولات في الدول الإسلامية، باعتباره فرصة اقتصادية وصناعية كبيرة وليس مجرد التزام بيئي وذلك من خلال ما يلي:

الثورة الرقمية: تعميم استخدام تكنولوجيا البناء الحديثة في اساليب البناء بشركات المقاولات والاستفادة من الحلول الرقمية، والنماذج الرقمية، والذكاء الاصطناعي وتحسين عمليات التخطيط، والتنفيذ بشركات المقاولات. 

توطين صناعة مواد البناء الخضراء: تطوير تقنيات مواد الإنشاء منخفضة الانبعاثات، والتوسع في إعادة تدوير مخلفات البناء. 

تدريب الكوادر الوطنية: تدريب الكوادر الهندسية والفنية والعمال علي استخدام اسلوب البناء المستدام ما يخلق فرص عمل عديدة للشباب.

 فرص عمل جديدة لشركات المقاولات: تعميم اسلوب البناء المستدام يفتح أسواق جديدة أمام شركات المقاولات من خلال اقتناص مشروعات البنية التحتية المستدامة التي ازداد الطلب عليها خاصة مشروعات الطرق والجسور وشيكات المياه والصرف الصحي.

جذب العملاء: مشاريع البناء المستدامة تجذب عادة العملاء الذين يفضلون الممارسات الصديقة للبيئة، كما أن هناك حوافز مالية من الحكومات والهيئات البيئية للمشاريع التي تتبع ممارسات الاستدامة، مما يمكن أن يقلل من تكاليف الاستثمار الأولية.

تعزيز الشراكات الدولية: التحول الي البناء المستدام يساهم في التعاون مع المنظمات الدولية المهتمة بتعميم البناء المستدام مثل: (الإسكوا، الاتحاد الاوروبي، البنك الدولي).

 تطوير أدوات تمويل جديدة: يساعد تبني مفهوم البناء المستدام علي تطوير أدوات تمويل أكثر ملاءمة للمشروعات المستدامة، بحيث يحصل المقاول على حوافز حقيقية عند تبني حلول تقلل استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات، كما يتيح تمويل مستدام ونقل خبرات جديدة في هذا المجال.

تمكين الشباب والمجتمعات المحلية: إشراك الشباب والكوادر المحلية يزيد من قدرة المشروعات على الصمود ويعزز استدامة المشاريع

تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية: أن تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية في هذا المجال يوفر قيمة كبيرة للقطاع. فبدلًا من أن تعمل كل دولة بصورة منفردة، يمكن تبادل الخبرات والتجارب الناجحة، وتطوير برامج مشتركة للتدريب، وتشجيع الشراكات بين شركات المقاولات، والاستفادة من الخبرات الهندسية والتكنولوجية المتاحة داخل دولنا.

نحو رؤية مشتركة

إن البناء المستدام في الدول النامية ليس تحديًا بيئيا فحسب، وإنما هو قضية تنمية واقتصاد وتنافسية، وإذا نجحنا في تحويل هذه المبادئ إلى سياسات ومشروعات وشراكات عملية، فإن قطاع المقاولات في دولنا يمكن أن يكون أحد أهم محركات هذا التحول خاصة وان حجم المشروعات المتوقع تنفيذها في الدول النامية والإسلامية خلال السنوات والعقود المقبلة يجعل القرارات التي نتخذها اليوم شديدة الأهمية، فالمدن والطرق والمباني والبنية التحتية التي ننشئها الآن ستظل قائمة لعقود، وستحدد جانبًا كبيرًا من استهلاك مواردنا وقدرة مجتمعاتنا على مواجهة التغيرات الاقتصادية والمناخية مستقبلًا.

من هنا تعد الاستدامة من العناصر الأساسية التي يجب على شركات المقاولات الوطنية تبنيها لتحسين البيئة وتقليل التكاليف كما انه من خلال اعتماد ممارسات الاستدامة في شركات المقاولات الوطنية، سوف يمكنها من تحقيق فوائد متعددة تشمل تحسين جودة البيئة، تقليل التكاليف التشغيلية، وزيادة جاذبيتها للعملاء والمستثمرين. 

وعلى الرغم من التحديات المرتبطة بتطبيق الاستدامة في شركات المقاولات، فإن الفوائد طويلة الأجل تجعلها خياراً استراتيجياً لا غنى عنه في صناعة البناء وبالتالي يمكن لشركات المقاولات أن تلعب دوراً فعالاً في الحفاظ على البيئة وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، مما يساهم في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

     ومن هنا ايضا، فإن مسؤوليتنا كقطاع مقاولات تتجاوز تنفيذ المشروعات إلى المساهمة في صياغة مستقبل أكثر كفاءة واستدامة، وبالتالي فما احوجنا اليوم إلى رؤية مشتركة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة؛ تشريعات تشجع الاستدامة، وتمويل يحفزها، وقطاع مقاولات يمتلك المعرفة والقدرة على تنفيذها، فالمستقبل لن يتوقف فيه البناء، ولكن الفارق الحقيقي سيكون في الطريقة التي نبني بها المنشآت المستدامة والمستفبل الافضل.

                                     .................